الخلفيات التاريخية والجذور التراثية لمجتمع الإمارات
يرجع تاريخ الإمارات إلى أكثر من خمسة آلاف عام. فلقد كانت الدراسات الأثرية
والتاريخية تشير إلى امتداد تاريخ وتراث الإمارات حتى حضارة أم النار في الألف
الثالث قبل الميلاد، غير ان نتائج الحفريات والاستكشافات الحديثة في إمارة الشارقة
أشارت إلى ان بعض المستوطنات يرجع تاريخها إلى الألف الخامس قبل الميلاد. وبذلك
يمتد تاريخ الإمارات إلى سبعة آلاف عام. ومن البديهي ان تستحيل الإحاطة بهذا
التاريخ الضارب في أعماق الماضي، ولا بد من الوقوف عند بعض المعالم الهامة للتاريخ
الحضاري لمجتمع الإمارات، لا سيما ما يتصل منه بالتراث الاجتماعي والسياسي، وذلك
أملاً في توضيح عمق هذا التراث، والإشارة إلى استمراريته عبر الحقب التاريخية
المختلفة وصولاً إلى الحاضر.
الخلفيات التاريخية المتاحة حالياً للدارسين والمهتمين بشتى المجالات المتصلة
بمجتمع الإمارات تسهم كثيراً في شرح وتوضيح الواقع الاجتماعي والسياسي المعاصر.
يصعب الحديث عن تراث الإمارات بمعزل عن بيئة الإمارات ونظام الاقتصاد التقليدي الذي
كان سائداً فيها، فالتراث لا ينفصل عن بيئته الطبيعية وسياقه الاجتماعي والاقتصادي،
وبيئة الإمارات بكل ما تحتويه من موارد طبيعية، وما ترتب على تلك الموارد من سبل
العيش وأسلوب الحياة هي التي شكلت تراث الإمارات، ولأن التراث هو ذلك الجزء الأصيل
من الثقافة الشعبية المتداولة عبر الزمان والمكان، والثقافة هي نتاج تفاعل الإنسان
مع البيئة، فالفهم الصحيح لتراث الإمارات يرتكز على الفهم الدقيق لتفاعل إنسان
الإمارات مع بيئاته المختلفة. وإذا كانت الدراسات الأثرية للمستوطنات البشرية في
الإمارات تشير إلى وجود الإنسان، بل توضح قدرته على إنشاء بعد أشكال الحضارة منذ
أكثر من سبعة آلاف عام، فوجود تلك البيئات أقدم تاريخاً، وان لم تكن في شكلها
الحالي تماماً فإن بعضها شهد تحولات جذرية.
تشتمل دولة الإمارات العربية المتحدة على البيئة البحرية الساحلية، والبيئة
الصحراوية، إضافة إلى السهول والجبال والوديان، ولكن ثنائية البر والبحر هي العامل
الرئيسي في تشكيل تاريخ وتراث الإمارات، فالبر بما يحتويه من مجتمعات بدوية رعوية
وريفية زراعية، والبحر بما يشتمل من جزر وسواحل ومدن، وبما أتاحه من صالت مع الشعوب
والحضارات الأخرى، أسهما من خلالا تناغم وتداخل في صياغة مجتمع الإمارات وتراثه
الحضاري، والانطلاق من تلك الثنائية والتركيز على المحاور الثلاثة : التراث/
والنظام الاجتماعي، والنظام السياسي، وتوضيح أبعادها التاريخية يمثل خلفية هامة
لهذه الدراسة.