المجلس
المجلس ظاهرة قديمة وأصيلة في المجتمع العربي، ورغم الجانب الاجتماعي والسياسي
الغالب عليه، إلا ان بعض المجالس ذات طبيعة متخصصة كمجالس التجار ومجالس الشعراء.
والمجلس شكل من أشكال الشورى والديمقراطية التقليدية. وما زال المجلس في دولة
الإمارات العربية المتحدة يمثل واقعاً سياسياً واجتماعياً ملموساً، لاسيما بالنسب
للشيوخ والأعيان، ويوفر منبراً دائماً لتبادل الأفكار والتشاور بين الحاكم وأعوانه
من الشيوخ والحكام والشخصيات المشهود لها بالكياسة وسداد الرأي، وللقاء رعاياهم
والتعرف على أحوالهم بصورة مباشرة، ومعالجة قضاياهم اليومية. ولأن فرصة المشاركة في
المجلس متاحة لجميع أفراد المجتمع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة فبإمكاننا اعتباراه
الوسيلة المثلى للحكم والشورى في المجتمعات الصغيرة، لاسيما المجتمعات القرابية
التقليدية التي يتعرف فيها الشيوخ والحكام على مواطنيهم مباشرة أو من خلال عوائلهم.
وتظهر أهمية المجلس غالباً في الأوقات الحرجة عندما تواجه القبيلة أمراً صعباً
يحتاج إلى تقليب الرأي والاحتكام للشورى، لأنه يتصل بأمر هام يمس كل أفراد القبيلة،
ويؤثر في أمنهم واستقرارهم، أو يتعلق بأمور دينهم ودنياهم. يُعد المجلس في مجتمع
الإمارات شأناً تقليدياً ومعاصراً في الوقت ذاته، تحرص عليه فئات المجتمع والفئات
العمرية المختلفة بدرجات متفاوتة، كما يحظى بدعم رسمي حيث تعمل الدولة على تعزيز
مفهومه ووظائفه.
ترجع الجذور الأولى للمجلس والشورى في منطقة الخليج العربي – بما فيها منطقة
الإمارات – إلى البدايات الأولى للوجود العربي، وترتبط تلك البدايات بالمعلومات
التي وصلت إلينا عن الأزد، وخاصة أزد عمان. ظهرت أهمية الاحتكام للشورى واللجوء إلى
المجلس أملاً في الوصول إلى القرار السليم، فيما رُوي عن قدوم عمرو بن العاص رضي
الله عنه بكتاب النبي إلى عبد وجيفر ابني الجلندى يدعوهما إلى الإسلام. وهذا يوضح
إدراك شيوخ وحكام عمان أنهم يواجهون موقفاً حرجاً، ولحظة تاريخية حاسمة تتطلب تقليب
الرأي والاحتكام إلى الشورى، لأنها تمثل صمام الأمان للقرار السياسي السليم، وتسد
الطريق أمام الانفراد بالرأي والقرار.
أورد الشيخ سالم بن حمود بن شامس السيابي ذلك الموقف التاريخي بقوله : (لما عرف
جيفر جلل الأمر، وهاله الحادث ولا يدري منتهى المصير فيه، أرجأ الأمر واستدعى أهل
مشورته، ثم التفت إلى عمرو فقال له : إن هذا الأمر الذي تدعو إليه ليس بصغير، وأنا
أعيد فكري فيه وأعلمك، واستحضر جماعة الأزد دارت بينهم الآراء والأنظار، ثم حاج
الأمر إلى طلب كعب بن برشه للاستفسار عما رأى من أمر النبي وللتأكد منه، فأرسلوا
له فسألوه عن أمر النبي ، فقال كعب: الرجل نبيٌ مرسل، وقد عرفت صفته، وسيظهر على
العرب والعجم، فأجاب جيفر إلى الإسلام بعد ما تحقق الأمر، فأسلم هو وأخوه في ساعة
واحدة، ثم بعث جيفر إلى وجوه عشائره فبايعهم لمحمد ....
لقد ذكرت الكتب والتقارير التي أعدها الأجانب ان شيوخ العرب وحكام القبائل لم
يلجأوا إلى القهر والتسلط على شعوبهم ورعاياهم، يقول ب.ج.سلوت B.J.Slot .
( ويحكم الشيوخ تلك القبائل إلا ان حكمهم لم يكن مطلقاً وحقاً مقدساً، بل كانت
سلطته معتمد على الإجماع في الرأي. وكان هؤلاء الشيوخ الأكثرين مقدرة وثراء ضمن
أفراد قبيلتهم. وقد يستبدلون بهم غيرهم إذا لم يرضَ عنهم أعيان القبيلة. وقد لقي
هذا الأمر تعاطفاً من قبل المراقبين الهولنديين الذي رأوا فيهم أشخاصاً أحراراً ) .
ويشير ب.ج.سلوت إلى بعض تقارير المسؤولين وملاحظات الرحالة الأوربيين التي ترجع إلى
القرنين السابع عشر والثامن عشر، والتي توضح مدى تعلق أهل هذه المنطقة بالحرية
وتقديسهم لها، وفي المقابل مدى رفضهم للقهر.