الصفحة الرئيسية
الكتب والمراجع والحقوق
عدد الأقسام : 6
عدد المقالات : 224
عدد زوار المقالات : 173874
المتواجدين حاليا :
 
البحث فى المقالات
 
 
الصفحة الرئيسية » زايد والتراث » المسجد
تاريخ الإضافة :: 12/04/2006   ||   عدد الزوار :: 613

المسجد


يأتي الحديث عن المسجد في السياق العام لاعتناق أهل الإمارات للدين الإسلامي الحنيف، وما أحدث ذلك من نقلة حضارية شاملة انعكست على الجوانب العَقَدية والسياسية والاجتماعية. وتكتمل الصورة بإشارة موجزة إلى المعتقدات والديانات التي عرفها أهل تلك المنطقة قبل ظهور الإسلام، فقد عبدوا الأوثان كما عبدوا إله الشمس، واتبعوا الديانة المسيحية قبل ان يهديهم الله إلى الإسلام، فقد كشفت المخلفات الأثرية في الدور بإمارة ام القيوين عن وجود حضارة امتدت إلى فترة شملت القرن الأول قبل الميلاد والقرن الميلادي الأول. ومن بقايا المباني الهامة والراقية التي وجدت في تلك المنطقة آثار معبد إله الشمس المسمى بـ (شمس Shams) الذي ارتبط ببعض المناطق العربية. وهناك إشارات إلى طقوس تعطي الشمس أهمية واضحة في النسق العَقَدي. ورغم ان تلك الطقوس تنحصر في دائرة ضيقة حتى أصبحت مجرد رواسب ثقافية مندثرة أو في طريقها للاندثار، إلا أنها تدل على ان الشمس كانت معبودة في فترات سابقة.
أما المسيحية فتدل الوثائق والكشوفات الأثرية ما يدل على ان منطقة الإمارات عرفت الدين المسيحي قبل ظهور الإسلام، فبينما تشير بعض الوثائق إلى وجود دير للرهبان المسيحيين في تلك المنطقة يرجع للقرن الرابع الميلادي، كشف التنقيب الذي أجري مؤخراً في إمارة ابوظبي عن وجود بقايا كنيسة أو دير في صير بني ياس. ويرى بعض الباحثين ان القرن السادس الميلادي يمثل المرحلة الأخيرة للوجود الفعلي لهذه الكنيسة. ومن المتوقع ان تمدنا الكشوفات الحالية في جزر ابوظبي بمزيد من المعلومات.
في إطار الحديث عن الأديان والمعتقدات، فمن الملاحظ انه رغم وجود العديد من المؤثرات الفارسية في منطقة الإمارات وخضوع تلك المنطقة لسيطرة الفرس الساسانيين قبل الإسلام إلا ن الديانة (الزرادشتية Zoroastarism ) لم تترك آثاراً واضحة في التراث الديني الإماراتي، علماً بأن (الزرادشتية) ارتبطت أساساً بالفرس ومنطقة نفوذهم بشكل عام.
بعد تلك الإطلالة الوجيزة التي أوضحت الثراء الديني والعقدي لمنطقة الإمارات، والتي تشير إلى تعدد المؤثرات وتعايش الحضارات، نتناول موضوع المسجد ودوره ووظائفه بعد ان عرفت تلك المنطقة أعظم تغير حضاري في تاريخها، فقد أرسل الرسول  رسله إلى جيفر وعبيد ابني الجنلدى الأزديين يدعوهما إلى الإسلام، وبقبولهما لدعوة الرسول  واعتناقهما للإسلام دخلت قبائل الأزد وعرب الخليج في الدين الإسلامي الحنيف. توضح المعلومات الواردة في بعض الوثائق الرسمية لدولة الإمارات العربية المتحدة ان رسالة الرسول  التي أرسلها إلى جيفر بن الجلندى في عام 630م كانت دعوة إلى أهل دبا لاعتناق الإسلام.
وبما أن الصلاة من أهم ركائز الإسلام وشعائره الدينية، والمسجد مكان الصلوات في جماعة، فبإمكاننا ان نستخلص ان منطقة الإمارات عرفت المسجد منذ تلك الفترات المبكرة التي اعتنق فيها أهل الإمارات الإسلام. وقد كان المسجد عريشاً أو بناءً متواضعاً لا يصمد في وجه تقلبات الطقس، أو مجرد ساحة تقام فيها الصلوات في جماعة. وعليه فإننا لا نجد آثاراً مادية واضحة ترجع لتلك الفترة المبكرة لانتشار الإسلام في هذه المنطقة، ولكن رغم ذلك وجدت آثار مادية قديمة لمساجد في بعض المدن التي اشتهرت في التاريخ الإسلامي، ومنها بقايا لمساجد تعاقب بعضها فوق بعض اكتشفت في مدينة جلفار التي ذاع صيتها في القرن الرابع الهجري – العاشر الميلادي. ومن أقدم المساجد الموجودة في دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي لا تزال تحافظ على نمط بنائها القديم وأسلوبها المعماري المتميز مسجد البدية في إمارة الفجيرة. ويرجح ناصر العبودي ان تاريخ هذا المسجد يرجع إلى فترة تمتد من القرن الخامس عشر الميلادي إلى نهاية القرن السادس عشر الميلادي، وكان ضريحاً أو مزاراً تم تحويله بعد ذلك إلى مسجد ولقد ظهرت آثار لعدة مساجد يرجع تاريخها إلى الفترة الإسلامية الأولى في جزر ابوظبي.
يتضح الدور الريادي للمسجد، والذي جعل منه موضوعاً ثقافياً رئيساً ومحوراً هاماً في ثقافة أهل الإمارات وتراثهم من خلال الوظائف الروحية والاجتماعية والسياسية التي ظل يقوم بها في مجتمع الإمارات بجانب أداء الصلوات الخمس، ومن تلك الوظائف :
تعليم الصغار، وإقامة حلقات الدرس والذكر والتجويد للكبار، وعقد قران الزواج، وصلاة الاستسقاء والجنازة، واللجوء ساعة الحاجة والضيق، وتنظيم وتشجيع الأعمال الخيرية والإنسانية، وإقامة اللقاءات التي تخدم القضايا الاجتماعية الهامة.
اهتمت دولة الإمارات العربية المتحدة بإنشاء المساجد على امتداد مدن الدولة ومناطقها المختلفة حيث بلغ عددها قرابة ثلاثة آلاف مسجد، وقامت بتعزيز وتطوير دورها الديني والثقافي، إلى جانب العديد من المؤسسات الرسمية والأهلية المكمّلة لدور المساجد والمهتمة بالتوعية الدينية، ونشر المبادئ الإسلامية مثل دار زايد لرعاية المسلمين الجدد، ومؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الإنسانية والخيرية.
لماّ نتناول مجمل الموضوعات الثقافية الرئيسية في مجتمع الإمارات، بل هي عينة مختارة من أهم تلك الجوانب الهامة، فلم نبحث في الفروسية رغم أهميتها في تراث الإمارات، ولكن الهدف توضيح الجذور التاريخية للنظام الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي، والديني.
لقد تجلى عمق ذلك التراث واستمراره على امتداد الحقب التاريخية المختلفة ما يمهد لتناول الموضوع الأساس لهذا البحث (زايد والتراث)، فإن ذلك التراث الذي وضّحنا بعض معالمه وجذوره التاريخية شكّل شخصية زايد، وأسهم في توطيد صلته بالبيئة الطبيعية والثقافية، وأثّر في نهجه في الحكم، وفِكْره الاجتماعي والإنساني، ونظرته الحكيمة إلى بيئته وشعبه.

عودة »»