أزد عمان
بالنسبة لقبيلة الأزد فإن بُعد الشّقة التاريخية وشح المصادر يحولان دون استكمال
الصورة بالشكل الذي نتمناه، ولكن بالإمكان الوقوف على قدر من المعلومات يوضح بعض
الأبعاد لتلك القبيلة الهامة، وصلتها بمنطقة الخليج بعامة، والإمارات بخاصة. ونبحث
في مرجعين يمثلان نمطين مختلفين من الكتب والدراسات، فالمرجع الأول : معجم قبائل
العرب لمؤلفه عمر رضا كحالة، والمرجع الثاني : الخليج – بلدانه وقبائله لمؤلفه س.ب
مايلز S.Miles، وقد استقى المرجع الأول معلوماته من بعض المصادر الهامة من أمهات
كتب التاريخ والتراث العربي والإسلامي، أذكر منها تاج العروس والعقد الفريدة، ومعجم
البلدان، وتاريخ الأمم والملوك، وأما المرجع الثاني، فقد اعتمد الروايات الشفهية،
والمخطوطات المعتمدة على تلك الروايات، إضافة إلى الدراسات التي استفادت من تلك
المخطوطات، واعتمدت عليها إلى حد بعيد. ومن المخطوطات والدراسات التي استفاد منها
هذا المرجع كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، إضافة إلى كتاب الفتح المبين في سيرة
السادة البوسعيديين. وكتاب History of the Imams and Sayyids of Oman .
يورد معجم قبائل العرب استناداً إلى المصادر التاريخية والتراثية معلومات هامة عن
الأزد نقتبس منها ما يُثري هذا البحث، لا سيما ما يتصل منها بأزد عمان، بدءاً بنسب
الأزد ومكانتهم بين القبائل، ويشير المعجم إلى ان الأزد ينتمون إلى الغوث بن نبت بن
مالك من القحطانية، وأنهم كانوا من أعظم قبائل العرب وأشهرها. ويضيف أنهم كانوا
ينقسمون إلى أربعة أقسام : أزد شنوءة، وأزد عمان (الساحل)، وأزد السراة، وأزد عمان
(الداخل).
وكما هو واضح من تسميتهم فقد نزل أزد عمان بعد هجرتهم من اليمن في أعقاب خراب سد
مأرب بأرض عمان. علماً بأن عمان تشمل (عمان الساحل) و(عمان الداخل) وتمتد إلى
المنطقة الحالية لدولة الإمارات العربية المتحدة. ومن بين البقاع التي استوطنوا
فيها توام التي تقع بعض أجزائها في دولة الإمارات وعلى مشارفها، كما ورد اسم دبا،
إضافة لما شار إليه الأوروبيون باسم (المناطق الداخلية). وأما تاريخ تلك الهجرات،ت
فتذكر عائشة السيار بناء على ما أورده بعض المؤرخين إلى ان (قبائل المنطقة هاجرت
إليها من مأرب في اليمن سنة 130 بعد الميلاد).
كان أزد عمان في أيام الجاهلية من عبدة الأصنام، شأنهم في ذلك شأن العديد من
القبائل العربية، ولكن عُرف عنهم أنهم كانوا من أهم عُبّاد مناة. وبعد أن أرسل
النبي محمد رسله إلى حكام وشيوخ عمان يدعوهم لاعتناق الدين الإسلامي الحنيف،
فدخولا الإسلام في أعقاب مداولات ومشاورات هامة، وأرسل أهل عمان وفداً إلى الرسول
بقيادة صرد بن عبدالله الأزدي، فاستقبل الرسول وفد عمان استقبالاً ودياً، وأعلنوا
إسلامهم سنة 9 هـ.
ولقد وردت إشارات مختلفة لإعجاب الرسول بوفد عمان واستحسانه للقائه بهم في كتب
التراث، وفي بعض الدراسات الخاصة بمجتمع الإمارات. ورغم صعوبة التأكد من صحة كل ما
نُسب إلى الرسول عن تلك الواقعة، وإسلام أهل عمان، إلا أننا نورد مثالين مما ورد
في هذا الشأن بسبب دلالاتهما الحضارية والروحية : المثال الأول من معجم قبائل العرب
نقلاً عن شرح المواهب، يشير فيه الكاتب إلى ان الرسول عندما حاور وفد عمان واستمع
إلى إجاباتهم، أعجبه حديثهم، فوصفهم بأنهم (حكماء علماء، كادوا من فقههم ان يكونوا
أنبياء)، وأما المثال الثاني فقد ورد في دراسة حديثة عن مجتمع الإمارات أشارت إلى
حديث الرسول عندما بلغه نبأ إسلام أهل عمان. وذلك بقوله (رحم الله أهل غبيرا
آمنوا بي ولم يروني).
أما المرجع الثاني (الخليج : بلدانه وقبائله) والذي يعتمد أساساً على الروايات
الشفهية والمخطوطات المحلية، فهي تؤيد ما ذكره المرجع الأول في كثير من الأحيان.
ويعتمد هذا على مصادر أولية مختارة من التراث العربي الإسلامي، والثاني خلاصة
لمصادر أولية، ولا يقل هذا أهمية عن ذلك، ويشير هذا المرجع إلى أن الأزد مجهولو
الأصل، ثم يعود مرة أخرى وينسبهم إلى الغوث بن نبت بن مالك متفقاً في ذلك مع المرجع
السابق، ولكنه يقسم الأزد إلى ثلاثة فروع وهي : أزد شنوءة، وأزد عمان، ثم يقسم أزد
عمان إلى قبائل وجماعات فرعية أخرى، ومنها قبيلة مازن بن أزد التي اشتهرت بالملاحة
وارتياد البحار، والتي استمدت منها شبه الجزيرة العربية اسم (مزون) حسب ما ورد في
بعض الدراسات الخاصة بالخليج العربي. علماً بأن اسم مزون ارتبط بمنطقة شرق الجزيرة
العربية أكثر من غيرها.
وعلى خلاف الدراسات التي اعتمدت كتب التاريخ والتراث العربي والإسلامي كالمرجع
الأول نجد ان الدراسات التي استقت معلوماتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من
المخطوطات المحلية والروايات الشفهية، تسهب في التفاصيل الدقيقة عن الحكم والحكام،
والأئمة والبيعة، وإقامة العدل بين الناس، ونقض العهود، والحروب والاغتيالات، وصفات
الحكام، وأنسابهم، وأسرهم، وبذلك نجد أنفسنا أمام فيض زاخر وتفاصيل مربكة من
الأحداث والحقب التاريخية. وفي ضوء ذلك الإسهاب تصعب الدراسة وينعدم التحقيق، ولكن
ذلك لا يحرم تكل الأعمال من قيمتها الأساسية كمصادر لمواد خام أولية تحتاج للمزيد
من الدراسة، وإنه لا غنى عنها في صورتها الحالية، في غياب الدراسات العلمية الدقيقة
التي تتجه نحو التحقيق والتحليل.